الصفحة الرئيسية ثقافة وفنون كتب “الطريق إلى محتشد رجيم معتوق” لعمار الجماعي: توثيق لرحلة معاناة وذاكرة تأبى النسيان

“الطريق إلى محتشد رجيم معتوق” لعمار الجماعي: توثيق لرحلة معاناة وذاكرة تأبى النسيان

8 القراءة الثانية
التعليقات على “الطريق إلى محتشد رجيم معتوق” لعمار الجماعي: توثيق لرحلة معاناة وذاكرة تأبى النسيان مغلقة
0
12
الطريق إلى محتشد رجيم معتوق

ربم قاسم

“بعض الذكريات المرة تودّ لو تسقط منك في الطريق ولكنك تجدها تلوذ بها كلما تجنبتها” هكذا تحدث الكاتب عمار الجماعي في كتابه “الطريق إلى محتشد رجيم معتوق” وهو سيرة روائية صادرة عن دار ورقة للنشر في 150 صفحة من الحجم المتوسط.

عمار الجماعي المعروف بلقب “الخال”، كاتب ومدون وناشط حقوقي يكتب الرواية والشعر والملحمة الشعبية، وهو واحد من 136 طالبا تم تجنيدهم قسريا في نهاية حكم بورقيبة وبداية عهد بن علي، وعاشوا تجربة مريرة في محتشد رجيم معتوق بالجنوب التونسي بسبب نقدهم للنظام الحاكم آنذاك وقولهم “لا” في زمن “كانت كلمة لا قد تكلّف موتا عبثيا”.

ما تضمنته هذه السيرة الروائية من أحداث مرّ عليها أكثر من 27 سنة يقول الكاتب، “والذكريات تأتيني كوخز الإبر”، نتيجة تلك “اللاّ اللعينة التي تجعلك مواطنا من الدرجة الصفر في بلاد الحد الأدنى من الحياة”.

الكتاب يندرج ضمن أدب السجون الذي ظهر في تونس بعد الثورة ليوثق تفاصيل تجارب حياتية مريرة، بل هي محن عاشها أصحابها الذين كانوا يمثلون جيلا يتوق إلى الحرية، لكن “رجيم معتوق” (160 كلم عن مدينة قبلي بالجنوب) لم يكن سجنا عاديا ولا فضاء مغلقا له جدران وسقف بل هو محتشد في أقاصي الصحراء في الجنوب التونسي، “صحراء شمالها شط الجريد المالح وغربها الجزائر وجنوبها مركز الحرس الوطني برجيم وشرقها رمل لا حد له”.

العقاب الذي سلطه الحاكم في نهاية الثمانيات على شباب من خيرة الطلبة التونسيين، لإخماد احتجاجاتهم طال طلبة من مختلف المشارب الإيديولوجية والتيارات الفكرية، كما كان من بينهم الراوي عمار الجماعي الذي لا ينتمي إلى أي تيار فكري وقد تحولت صفته منذ اعتقاله من “طالب سنة ثانية شعبة عربية إلى الجندي عمار الجماعي الفيلق الصحراوي”، وكان الراوي ومن معه من “رفاق السلاح” يعتبرون في نظر الحاكم بأمره آنذاك “فئة ضالة تصطاد في الماء العكر”.

الكتاب موجع وممتع في آن، موجع لأنه مثقل بالمآسي والمحن التي تعرض لها صاحب السيرة ومن معه، ويكشف عن الوجه القبيح للسلطة القائمة في تونس في تلك الفترة ورفضها كلّ صوت مخالف للموسيقى التي تودّ سماع عزفها، وهو ممتع على عدة مستويات شكلا ومضمونا.

وليس من باب الصدفة أن يهدي عمار الجماعي كتابه إلى الشهيدين شكري بلعيد وحمادي حبيق وإلى كل “رفاق السلاح” من الطلبة المجندين قسريا”، بل إنه اعتبر هذا الإصدار “بعض من دين”.

فشكري بلعيد من الطلبة اليساريين الذين كانوا ضمن المجندين في المحتشد وحمادي حبيق كان من الطلبة الإسلاميين وقد توفي حينما حاول الهروب ومات عطشا في الصحراء، وقد مثلت تلك الحادثة لحظة فارقة وأعلن حينها الطلبة المجندون “الإضراب وفاء لأرواح الشهداء” وأعلن ذلك بصوت عال حينها شكري بلعيد رغم أنه كان على طرفي نقيض إيديولوجيا مع حبيق ومن كان معه ممن حاولوا الفرار هربا من جحيم المحتشد بعد أن فتح الباب لمثل هذه المحاولات “سنان العزابي” ونجح في ذلك.

ما يلفت الانتباه في هذا المحتشد أو السجن الذي ليس كغيره من السجون هو وجود خيام اليمين للإسلاميين وخيام اليسار لأهل اليسار، يقول الكاتب، “وبعض القوميين وجماعة الحياد أمثالي يروحون ويغدون بين هؤلاء وأولئك كتونس في أيامنا هذه”. ويضيف عمار الجماعي في كتابه قائلا : “ما أشهده اليوم هو نفس ما شهدته بالأمس ذات 1987 وما رضيت عنه.”

وأشار إلى ما كان يحصل بين الجانبين من مشاحنات إيديولوجية حول عدة مواضيع وأولها بالذات الاختلاف حول تاريخ الحركة الطلابية.

عمار الجماعي من خلال توثيق هذه التجربة كان شاهدا على العصر وعلى فترة ما، فقد ذكر بعض الأسماء من “رفاق السلاح” آنذاك والذين صاروا شخصيات وطنية وسياسية معروفة بعد الثورة في تونس من بينهم، إلى جانب الشهيد شكري بلعيد، سالم الأبيض ومحسن مرزوق.

ورغم بعض المناوشات التي شهدها الكاتب خلال فترة رجيم معتوق، إلا أن علاقة الطلبة المجندين خلال فترة وجودهم في قرعة بوفليجة” والتي هي عبارة عن إصلاحية عسكرية، كانت جيدة رغم اختلاف توجهاتهم الفكرية، يقول الكاتب : “كنا مجتمعا صغيرا متعاونا ومتضامنا نتقاسم الرغيف، لا إيديولوجيات ولا جهويات ولا تفاضل بيننا”.

في هذه السيرة الروائية، يتداخل الذاتي بالتاريخي وبالخيالي أحيانا، “لرأب صدع أو سدّ ثلمة في ذاكرة حرون” على حد عبارة عمار الجماعي، الذي يكتشف القارئ من خلال هذا الكتاب تمكنه من ناصية اللغة، كيف لا وهو المتحصل على ماجستير ببحث وصف الجواد بين الشعر الجاهلي والشعر الشفوي كما أنه بصدد تحضير رسالة دكتوراه حول إنشائية الشعر الشفوي التونسي. وقد راوح في هذا الكتاب بين سرد الوقائع وقول الشعر أو ما يسمى ب”المجرودة” وهي أغان أصبحت تردد في الأفراح وصارت بمثابة التراث الشفوي اللامادي.

عمار الجماعي، وظف عديد الأمثلة الشعبية والآيات القرآنية والأشعار الغنائية واستحضر مقتطفات من أقوال عديد الأدباء العالميين والعرب منهم التوحيدي ومحمود درويش وماركيز ودوستوفسكي وغيرهم مما يعكس ثقافة واسعة وإلماما بالتراث العربي والإسلامي والأدب العالمي، وهذا ليس بغريب عن طلبة مجندين كانوا يخبئون الكتب تحت ساتر رملي ويتبادلونها خشية أعين الرقباء، وليس بغريب عن عمار الذي كان يقايض قطعة الصابون ومعجون الأسنان الذي يحصل عليه مقابل ورقة وقلم، وكان قبل المحتشد عمل في مكتبة بائعا مقابل أن يقرأ الكتب دون مقابل.

قارئ هذا الكتاب يكتشف أيضا جوانب من شخصية الكاتب التي لا تخلو من الطرافة فتراه يروي طرفة تحمل في طياتها حزنا وألما، أو بالأحرى يروي حادثة موجعة يغلفها بمزاح يحمل مرارة لا يمكن إخفاؤها، مثل حديثه عن “القمل الأبيض المتوسط” أو عن عدوهم وراء الجرابيع وصيدها وذبحها قائلا “فاتكم مطعم من ألذّ ما تستطعم البطون”.

الكتاب يكشف أيضا عن شخصية “عمّار القادم من صحراء لا تُذكر إلا في النشرة الجوية” (وهو أمر قد يكون مبالغا فيه بعض الشيء) لكنه يعكس ثقافة متأصلة وكرم أهل استضافوا العريف الذي كان يراقب ابنهم على عشاء قبل أن يعود به إلى المحتشد مجددا، هذا الابن الذي قرر العدول عن فكرة الهروب حفاظا على لقمة عيش ذلك العسكري المكلف بتأمين حراسته.

رواية عمار الجماعي لم تخل من جوانب رمزية أخرى، فلم يتحدث فقط عن الكرم أو قيم التسامح بل أشار كذلك إلى الخيانة، خيانة الأصدقاء والخلان، من خلال سرد موجز جدا لما حصل له فقد وجه أول رسالة إلى حبيبته وثاني رسالة إلى صديقه “الصدوق” يوصيه بها خيرا، فإذا به يتزوج بها لاحقا بعد سنوات التخرج. قصة مريرة يحكيها الراوي عرضا وكأنه يريد نسيانها بسرعة أو يشير إلى أن مثل هؤلاء “الأصدقاء” لا يستحقون أكثر من سطرين في سيرة حياته.

ما يجب التوقف عنده وبشدة في هذه السيرة الروائية وغيرها من روايات أدب السجون هو ما تتعرض له عائلات المساجين من عذابات، وقد مثلت كتابة هذه السيرة فرصة لعمار الجماعي للبوح واستعادة ما يختلج بصدره لوالدين لم يكن من الهين عليهما رؤية ابنهما منفيا في الصحراء وهو الذي كان يحمل آمالهم وأحلامهم في أن ينهي دراسته الجامعية، فإذا بهما يبيعان بعض ما في البيت لتدبر ثمن سلة أكل لابنهما المرمي في الصحراء بدل أن يكون في مدرجات الجامعة.

الرواية ليست فقط للبوح بل في جانب منها للاعتراف بجميل من وقف إلى جانبه وإلى جانب رفاقه الطلبة ولم ينس والدة صديقه التي نقلت مأساتهم عبر حوار أجراه معها الراحل محمد قلبي ونشرته جريدة الصباح، أو “عبد الحفيظ الهرقام” الذي كان مستشارا لبن علي في بداية حكمه وأطلعه على نص الحوار وصرخة أولياء أولئك الطلبة، فجاء قرار الإفراج عنهم بعد بضعة أيام، كما لم ينس الكاتب “نوفل بن الطيب ناجح” ذلك الشاب الذي مسح دموع والدة الكاتب وتولى القيام بعملية تسجيل عمار الجماعي بكلية الآداب بمنوبة، حين رفض الجميع مساعدة والدته على القيام بذلك.

الرواية لم تتضمن بوح الراوي فقط بل بوح أحد “رفاق السلاح” الذي أتاه ليعترف له بعد كل هذه السنوات بأنه لم يكن سوى عميلا سريا، أي مخبرا ولطالما رفع عنهم تقارير أمنية، وتطرق الى كيفية تجنيده ومساومة السلطة له ورضوخه لذلك ثم حصوله في مقابل خيانة “رفاقه” على منصب معتمد.

ولم يكتف عمار الجماعي برواية هذه الحادثة ليعكس ما كان يحدث زمن الديكتاتورية من ممارسات، بل جدد رفضه ورفض العديد من الشرفاء ليكونوا وشاة مخبرين، كما جدّد طرح سؤال ظل يخامره إلى اليوم وهو ” لماذا يقبل بمعاقبة صفوة البلد بالخدمة الوطنية ؟ ما الذي يجعل مرفقا وطنيا يتحول إلى أداة ضرب للمعارضين؟ لماذا يقبل الجيش الوطني بهذه المهمة القذرة؟

أسئلة ظلت عالقة بذهن عمار الجماعي وغيره ربما من الطلبة الذين تم تجنيدهم بشكل قسري سواء ممن عاشوا محه هذه المحنة أواخر عهد بورقيبة وأوائل عهد بن علي أو ممن تم تجنيدهم لاحقا في التسعينات والذين أشار إليهم الكاتب ودعاهم إلى توثيق تجاربهم التي قد تختلف عن تجربة محتشد رجيم معتوق لكنها تتطابق معها من حيث الظلم المسلط على كل صوت حر تواق إلى الانعتاق من ظلم جائر ومن ديكتاتورية مارسها النظام الحاكم في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

تجارب من المهم توثيقها وكشف عورات المتسببين فيها حتى لا تتكرر اليوم بأشكال أخرى بعد ثورة الحرية والكرامة التي دفع التونسيون ثمنها غاليا ولكنهم مازالوا يعانون تبعات اختيارات حكامهم وآثارها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بالخصوص، لكن يظل مكسب حرية التعبير أهم مكاسب هذه الثورة والتي لولاها لما اطلعنا على بعض ما حصل في رجيم معتوق من عذابات ومن أشياء أخرى فضل الكاتب عمار الجماعي السكوت عنها وهو “يستعيد الأحداث وفي حلقه ملوحة شط الجريد”.

——————

وات

تعليقات فايسبوك
Load More Related Articles
Load More In كتب

Check Also

تثمينا للتراث الحكوي اللامادي: هشام درويش يُصدر “حكايات درويش من العالمية إلى الدارجة التونسية”

عن دار نقوش عربية صدر كتاب “حكايات درويش من العالمية إلى الدارجة التونسية” للح…